السيد عبد الله شبر
443
مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار
وفيه ما تقدّم ؛ إذ لا معنى حينئذٍ للتقيّة والحثّ عليها ، اللّهمّ إلّاأن يحمل على أنّ سلمان كان حينئذٍ يتّقي على أبي ذرّ شفقة عليه وخوفاً من أن يظهر شيئاً من ذلك فيكون سبباً لقتله . الخامس : أن يكون المعنى لو علم أبوذرّ ما في قلب سلمان من العلم لقتله ؛ لأنّ أباذرّ يعلم أنّ في قلب سلمان علماً ويعلم أنّه لا يجوز له إظهاره تقيّة ، فمع ذلك إذا أظهر سلمان ما في قلبه لأبي ذرّ ولم يتّق منه لقتله ؛ لعدم جواز إظهاره لذلك العلم ، ولا يخفى بُعده . السادس : ما أجاب به السيّد المرتضى على ما نقله عنه الفاضل المدقّق الميرزا محمّد في الرجال الكبير ، قال : إنّ هذا الخبر إذا كان من أخبار الآحاد التي لا توجب علماً ولا تثلج صدراً وكان له ظاهر ينافي المعلوم المقطوع تأوّلنا ظاهره على ما يطابق الحقّ ويوافقه إن كان ذلك مستسهلًا ، وإلّا فالواجب اطّراحه وإبطاله . فإذا كان من المعلوم الذي لا يحيل سلامة سريرة كلّ واحد من سلمان وأبي ذرّ ، ونِقاءُ صدرِ كلّ واحدٍ منهما لصاحبه ، وأنّهما ما كانا من المدغلين في الدين ولا المنافقين ، فلا يجوز مع هذا المعلوم أن يعتقد أنّ الرسول صلى الله عليه وآله يشهد بأنّ كلّ واحد منهما لو اطّلع على ما في قلب صاحبه لقتله على سبيل الاستحلال لدمه . ومن أجود ما قيل في تأويله : إنّ الهاء في قوله « لقتله » راجعة إلى المطّلع عليه ، كأنّه أراد أنّه إذا اطّلع على ما في قلبه وعلى « 1 » موافقة باطنه لظاهره ، وشدّة إخلاصه له اشتدّ ظنّه به ومحبّته له وتمسّكه بمودّته ونصرته ، فقتله ذلك الظنّ والودّ بمعنى أنّه كاد يقتله . كما يقولون : فلان يهوى غيره وتشتدّ محبّته له حتّى أنّه قد قتله حبّه أو أتلف نفسه وما جرى مجرى هذا من الألفاظ ، وتكون فائدة هذا الخبر حسن الثناء على الرجلين ، وأنّه آخى بينهما وباطنهما كظاهرهما ، وسرّهما في الصفاء والنقاء كعلانيتهما « 2 » . انتهى .
--> ( 1 ) . في المصدر : « وعلم موافقته » . ( 2 ) . نهج المقال ، ص 170 ( طبعة حجريّة ) .